أزمة كورونا والاقتصاد … واختلال هيكل قيادة العالم

9٬915

أزمة كورونا والاقتصاد ثنائية قلبت موازين القوى وغيرت الهيكليات بعد خلق ندوبٍ عالمية واضحة؛ إذ أن الخسارة في هذه المرحلة وصلت حد تغيير مجلس قيادة العالم وغيرت من صانع القرار.

نحو ذلك يقول علماء الاجتماع: “نتوقع بعد نهاية كورونا المستجد  كوفيد-19 أن يصبح البشر إما أكثر اجتماعاً وإنسانية أو أكثر طمعاً ووحشية” وذلك ما ظهر في عدد من الحوادث أثناء الجائحة.

ظاما عن علماء الاقتصاد وبكل بساطة أوضحوا الأمر : “العالم القائم على الربح والمنفعة كمحرك لكل شيء، سيسأله الناس يوماً: لماذا لم يُوفر الكمامات وأجهزة التنفس “غير المربحة” لمواطنيه؟.

 

كيف غيرت أزمة كورونا والاقتصاد مجلس قيادة العالم؟

نعود للتاريخ قليلاً بعد أن أعادت الأوبئة تشكيل العالم، عقب انهار النظام الإقطاعي البريطاني عندما غير طاعون عام 1350م، الظروف الاقتصادية والديموغرافية، وتم تدمير إمبراطورية “الآزتك” في عام 1520م، بسبب عدوى الجدري حيث قتل نحو 90% من السكان الأصليين للأمريكيتين.

تبدأ الرحلة من الإنفلونزا الإسبانية عام 1918م، التي أودت بحياة 50 مليون إنسان، ليفوق من قُتلوا خلال الحرب العالمية الأولى، وتنتهي الرحلة مع أواخر عام 2019، بتسجيل جائحة فايروس كوفيد 19 الذي كان من الأشد بين سابقيه.

بالتالي يكون فايروس كوفيد 19، أقرب لوباء الإنفلونزا الإسبانية، لكن الأخيرة كانت في عالم أقل ترابطاً وتعقيداً “أقل عولمة” وتكنولوجيا.

أما الآن كل شيء يتغير، والعلامة في البحث عن الكمامة، هكذا تتغير قيمة الأشياء، سابقا كنا نصرف أموالنا على الأسلحة، وكنا نتسارع على الذهب، النفط، الغاز، ونفتعل الكثير من الحروب وفجأة يتحول الصراع الى من يمتلك كمامات طبية أكثر وأقنعة تنفس طبية أوفر وقطاع صحة اقوى.

تلى ذلك الحديث عن مظاهرات لقطاع الطرق، تجسدت بخروج مسؤول ألماني ليتهم واشنطن “بقرصنة” 200 ألف كمامة طبية كانت بطريقها لألمانيا.

ومن ثم يخرج “ترامب” رئيس أمريكا السابق لينفي، لكن يفتضح أمره عندما حاول شراء “كورفاك” الألمانية التي تعمل على تطوير لقاح كورونا، ما تسبب بخلاف دبلوماسي.

تبع ذلك تهديد الرئيس الأمريكي السابق “ترامب” الهند علناً بعقوبات قاسية ليجبرها على قرار رفع حظر تصدير دواء “هيدروكسي كلوروكين”.

 

تغير وجه الاقتصاد العالمي

ترنحت مقومات العظمة، النفط والصناعات الثقيلة وتراجعت، والمواد الطبية تقدمت ما دفع الشركات العالمية لإنتاجها تاركة تخصصاتها الأصلية، كما هو الحال في شركة “فورد” و “جنرال موتور” و” تيسلا”.

أما عن مجلس قيادة العالم، المصطلح الذي استخدم من قبل أصحاب نظرية المؤامرة وتناوله الكثيرون بالسخرية، فليس هناك شيء اسمه “قائد عالمي”، بل هناك نظام عالمي جديد، حيث نشأ بعد الحرب العالمية الثانية فيه أمم متحدة ومجلس أمن مكون من 5 دول.

علاوة على ذلك انقسم النظام الى جزئيين متباينين اقتصاديا وأيديولوجياً، شرقي (الاتحاد السوفييتي والصين)، وغربي (أمريكا ودول أوروبا الكبرى).

قال الغرب بأن أساليبهم هي التي كانت الأفضل، لكن حالياً مع ازمة كورونا أظهرت مدى ضعف وقلة حيلة، وأشار الغرب إذا كان هناك بالفعل من يقود العالم، فهي دول ومنظمات وأفكار ذات قيمة تدفعنا للصراع عليها.

 

 

الاتحاد الأوروبي وقع في الخطر

ان أكبر خدمتين تقدمهما لفيروس تنفسي هما الاستهتار بخطورته ومواصلة التجمعات، وهذا ما فعلته أوروبا، وعندما اجتاح الفيروس الصين تعامل الأوروبيون من موقع مشاهدة المباراة بكثير من الفضول مع قليل من الحذر.

وتم اعتبار أن ما يحدث سيتمركز في الصين فقط، وتمثلت مخاوفهم في عدم نجاح موسم الكرنفال ومتابعة مواسم كرة القدم، وعندما اجتاح الفيروس إيطاليا الأوروبية تم اتهامها من قبل دول الاتحاد بالتراخي، بل وتؤنب ساستها ونظامها الصحي السيئ، لكن عندما غزا الفيروس فرنسا وألمانيا وإسبانيا أجبر الدول على اتباع سياسة ” الإغلاق الشامل”.

انفصلت الدول الأوروبية من حيث التعامل مع كورونا، بل واتبعت كل منها نهجاً مختلفاً، فمن الممكن أن يكون كوفيد 19 القشة التي ستقسم ظهر القارة العجوز، في حين نجا الاتحاد من أزمة خروج بريطانيا كذلك أزمة اللاجئين وقبلهما من الأزمة المالية العالمية عام 2008م، لكن لا يستطيع أحد أن يؤكد لك نجاته هذه المرة.

 

أزمة كورونا والاقتصاد الأمريكي

لم تكن أمريكا قائد العالم في هذه المرحلة، فعندما اجتاحت إنفلونزا هونغ كونغ العالم عام 1968م، أودت بحياة مليون شخص، وقتها انتشرت لافتة تقول، “إنفلونزا هونغ كونغ غير أمريكية”.

أما عند انتشار فيروس كورونا العالم ووصوله لأمريكا في 2020م، خرج ترامب بتصريحات ألقى بها اللائمة على الصين لكونها مصدر الفيروس، وتفوق وعلى التاريخ وعلى الطب للمرة الثانية، حيث قلل من خطر الفيروس قائلاً: إن الانفلونزا العادية تقتل أكثر من كورونا، وارتكاب الأخطاء في التعامل مع جائحة لا يعالجه شيء.

تعامل ترامب في السابق مع أوروبا بقسوة منذ اللحظة الأولى، وأصبحت أوروبا في معسكر وأميركا في آخر، إذ أن إدارة ترامب كانت ترى في ذلك مصلحة عزل البلاد عن المأساة الأوروبية.

وربما تكون المحاولة الأوروبية للعب دور المتفرج عندما اجتاحت كورونا إيطاليا، وبعد أن اجتاح الفيروس الولايات المتحدة الأمريكية سجل ارتكاب عدة أخطاء منها:

أولاً الإخفاق بتصنيع اختبارات تشخيص الإصابة، ثانياً قرار اجراء الاختبارات لعدد قليل من السكان، ثالثاً التأخير في توسيع نطاق إجراء الاختبار خارج مراكز مكافحة الأمراض، رابعاً استمرار مشكلات في سلسلة توريد الحاجات الطبية.

 

 

 

سياسة الصين

لا شك أن الصين آذت العالم كله بإخفاء الحقائق عن فيروس كورونا منذ ولادته، حيث برزت أصوات تطالب بتعويضات مادية، وكان هناك تشكيك  في أساس الرواية الصينية الحالية حول السيطرة على المرض، خاصةً مع تصاعد الارقام التي نشاهدها “حكومية”.

لكن وللتأكيد فإن الصين باتت تزود العالم باحتياجاته الطبية، وهي لن تعيد قرن القطيعة مع العالم ما بين عامي 1842م و1949م، رغم أنها دولة تُنتقد سياساتها في المحافل الدولية خاصة من الولايات المتحدة، بيد أن ديمقراطية الغرب وعلى رأسها بريطانيا طلبت منها المساعدة، وبذلك تصبح بلاد التنين “المصنع الطبي للعالم” في الحرب العالمية مع الفيروسات الحالية والأخرى المصاحبة له.

 

القيصر الروسي قد يعيش مأساة أوروبا

حتى منتصف مارس/ آذار 2020م، كانت الحكومة الروسية تفخر بإنجازاتها ضد الفيروس، لكن سرعان ما اتخذت إجراءات صارمة تشبه تلك المتبعة في الدول المتأزمة، مثل إغلاق المدارس والجامعات ومنع التجمعات، علاوة عن حزم مساعدات مالية للقطاعات الاقتصادية وإغلاق الحدود وافتتاح مستشفيات جديدة.

صحيح أن روسيا أغلقت حدودها مبكراً مع الصين لكنها لم تتخذ إجراءات تقييد السفر مع أوروبا إلا بعد فوات الأوان، حيث كانت المؤشر الأول على أن روسيا أمام أحد احتمالين، إما أنها لم تتعرف على الفيروس بعد، أو أنها تخفي الحقائق.

اقتصادياً وبحسب “نيويورك تايمز”، تمتلك روسيا إمكانات مالية جيدة، بفضل تأقلمها مع العقوبات الغربية المفروضة عليها منذ زمن طويل.

وتمتلك روسيا احتياطات من العملات الصعبة والذهب تقدر قيمتها نحو 600 مليار دولار، ولديها قطاع زراعي قوي -لا تسترد سوى 10% من احتياجاتها الغذائية-، كذلك يقل الناتج المحلي الإجمالي الروسي بنحو 12 عن الناتج المحلى الإجمالي لأمريكا المنافس العالمي الأقوى.

ختاماً… أزمة كورونا والاقتصاد غيرتا من هيكل القوة الدولية، وذلك بعد التأثر بطريقة لا مثيل لها، ولنا بالتاريخ عبرة، حيث إن الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي تبعه صعود للنازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا وكان أحد الأسباب البعيدة في الحرب العالمية الثانية.

لذا لا يمكن التكهن بدرجة التغيير التي ستحدث مع العواقب الاقتصادية الكارثية القادمة، إذ يقول الاقتصاديون إن العالم سيواجه كساداً أكبر وستنتهي “العولمة الاقتصادية” التي كنا نعرفها، وبالتالي سيواجه العالم ازمة ثقة بين الدول وانغلاقات حدودية، مع تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية وانسانية.

 

تابع دروس أكاديمية الفوركس المجانية من IMMFX لتعلم الفوركس من الصفر وحتى الاحتراف

 

التعليقات مغلقة.